رؤية سحرية

هل الدولة لكل مواطنيها؟ كيف يجب أن تكون إدارة العلاقات بين الدين والدولة؟ كيف يمكن استخدام الحيز العام في إسرائيل؟ كيف نساعد الثقافات والمجتمعات المختلفة التي تكوّن المجتمع الإسرائيلي في الازدهار جنبا إلى جنب؟ كيف يجب أن تكون علاقة إسرائيل مع الدول المجاورة لها؟

إلى جانب هذا القضايا، تمثل أمام إسرائيل تحديات معقدة وعالمية تحملها العولمة، الأزمة البيئية، التوتر المتفاقم بين الهويات الإثنية والدينية وبين التوجهات والمطالب العالمية. تجارب الفكر السياسي الإسرائيلي في مواجهة هذه التحديات، والأجوبة المطروحة لها للآن، غير كافية.

تسعى سَحَريّة لصياغة تفكير نظري سياسي جديد. نحن معنيون بتعزيز الفكر السياسي ليكون أداة بيد المجتمع لضمان الفرص المتساوية للجميع ولكن ضمن تعزيز القِيَم المجتمعية والتضامن الاجتماعي على المستوى المحلي، الإثني والقومي. نحن نطمح لفكر سياسي ملتزم بجدية بحماية خصوصية كلٍّ منا وهويته المختلفة، وفي نفس الوقت يحمي الأملاك المشتركة التي نقتسمها جميعا، والتي أهملها اليمين واليسار على السواء. يطرح هذا الفكر الاجتماعي-البيئي لغةً تمكّننا من فهم ضرورة تنظيم حياتنا المشتركة على قاعدة الكفالة الاجتماعية والتبادلية والعدالة.

بكلام مبسط نقول إن مصائرنا مرتبطة بعضها ببعض. هذه الأملاك التي هي ملك مشترك للجميع، مثل الماء، الهواء والأرض، تابعة لكل الإسرائيليين، وكما بدأنا نفهم بالتدريج – هي ملك لكل الشعوب والأجيال القادمة. حصر الموضوع في الفرد أو في مجموعات معزولة ليس إمكانية واردة، لذا، تقترح “شحريت” (وتعني بالعربية “سَحَريّة”)، إعادة النظر في نسيج العلاقات بين الفرد والمجتمعات المختلفة، وفحص انعكاسات هذه العلاقات على أدائنا الاجتماعي والسياسي.

نحن نؤمن بأن اليسار في البلاد محقٌّ في إصراره على حق جميع الإسرائيليين – العرب واليهود – في المساواة بالفرص وحقوق المواطن، وعلى حقهم في الاعتراف بحقوقهم المجتمعية. إنه محقّ أيضا عندما يؤكد على الضرورة الأخلاقية لإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من العيش بأمان وكرامة.
اليمين من جانبه يقوم بدور هام في الدفاع عن مكانة التقاليد والتراث، وفي البحث عن طرق لتعزيز الهوية الثقافية والدينية للإسرائيليين. لطالما طالب المجتمع الإسرائيلي أفراده والمجتمعات بداخله بإهمال تراثهم، وكانت النتائج مؤسفة. كان مناحم بيغين أول من اعترف بأهمية التراث في حياة الفرد، بينما قلّل اليسار من أهميته. مع ذلك، يجب التأكيد على أن تعزيز الهوية يجب أن يكون مبدأً ساري المفعول بشكل متساوٍ على كل فئات المجتمع، وليس مقتصرا على قسم منه. لقد أدرك اليمين أيضا أن علاقات إسرائيل وجاراتها من الدول العربية ليست متعلقة فقط بسلوك إسرائيل وخياراتها، وأن السلام ليس متعلقا فقط بالقرارات الإسرائيلية. زيادة على ما يطرحه اليمين واليسار، نطمح في “شحريت” إلى إثارة الاهتمام مجددا بالمجتمع الذي يقبل الاختلاف بين أفراده. نحن معنيون ببلورة خطاب ديمقراطي حقيقي هدفه – بناء مستقبل قابل للحياة يتسع فيه المكان لنا جميعا.

ماذا نفعل عمليا؟

قامت “شحريت” بهدف إكساب هذه الرؤية مضمونًا. في المرحلة الأولى كوّنّا مجموعة من 25 مشتركا التقوا بشكل ثابت على مدار السنتين الأخيرتين. جاء المشتركون من خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية مختلفة، كما تنوعت انتماءاتهم السياسية: عرب ويهود، نساء ورجال، متدينون وعلمانيون، اشكناز وشرقيون، قادمون جدد ومواطنون قدامى. يجتمع هؤلاء على نقد الخطاب السياسي الإسرائيلي الحالي، بروح هذا النص، ويتوقون لتأسيس بنية تحتية فكرية سياسية تقدمية. في السنتين الأخيرتين انطلقنا بجولة في أرجاء الدولة، والتقينا أشخاصا مختلفين في أماكن مختلفة، في محاولة للتعرف على إسرائيل، بالمعنى المباشر للكلمة، من وجهات نظر متنوعة. في هذه العملية وفي الخطوات التي تلتها، جمعت “شحريت” بين آلاف الإسرائيليين في محادثات وحوار لبناء رؤية وجدول عمل لمستقبل مشترك.
قبل عام ونصف وضعت سحرية نصب عينيها أهدافا متواضعة وطموحة في آن. سعينا إلى الربط بين مختلف الشخصيات المؤثرة في مجتمعاتها والملتزمة بقيادة جدول عمل جديد. أجرينا بحثا للمساهمة في صياغة هذا الجدول، ونعمل على صياغة ست وثائق تلخص النقاط الأساسية فيه، وتطرح كيف يجب أن يكون شكل إسرائيل حسب الرؤية التي تبلورها سحرية في المجالات المختلفة.
مجموعة الشركاء في “شحريت” التقت بعشرات الأشخاص والتنظيمات المحلية والحركات المؤثرة في إسرائيل – من يروحام ورحمة، مرورا بإفرات وأم الفحم، رمات بيت شيمش والناصرة، وحتى طيرة الكرمل وتل أبيب. ساهمت هذه اللقاءات في إثراء رؤيتنا وأكدت ضرورتها في الواقع الإسرائيلي، وفي نفس الوقت مكّنتنا من طرح أفكارنا على شركاء محتملين، مهتمين وفاعلين في الحياة الاجتماعية.
نشر الباحثون في “شحريت” سلسلة من المقالات في وسائل الإعلام المطبوعة والالكترونية، ربطوا فيها بين مبادئ الرؤية المتبلورة وبين أحداث الساعة. وسعيا لتوسيع دائرة الشراكات تنوي “شحريت” الوصول إلى المزيد من الأفراد والمجموعات في إسرائيل، كتابة وثائق سياسية وتجديد النقاش الجماهيري بهدف توسيع وتعميق هذا الخطاب. تأتي هذه الخطوات سعيا لتأسيس معهد للفكر والعمل الفعلي يطرح رؤية جديدة لإسرائيل، ويجمع بين أناس مختلفين ومتنوعين في المجتمع الإسرائيلي راغبين في خلق معسكر مشترك لنا جميعا، ومن أجلنا جميعا.