تفكير جديد حول السياسة في اسرائيل

سحرية (شحريت) تنشد صياغة رؤيا سياسية جديدة

تحتاج اسرائيل الى سياسة حزبية أخرى. الأيديولوجيات التي كانت ركنا أساسيا من أركان تأسيس الدولة، والتي أغنت الحوار الجماهيري والسياسي ونظمت الشبكة الحزبية في اسرائيل منذ ذلك الحين وحتى اليوم، لم تعد ملائمة للتحديات في أيامنا. لقد فقدت واقعيتها واستقرارها وقوتها. وإلى جانب ذلك غدت السياسة الحزبية في اسرائيل مغتربة عن الحياة اليومية وأصبحت في نظر الكثير من مواطني اسرائيل غير مناسبة. كل معركة انتخابات جديدة تقريبا في اسرائيل وَلدّت حزبا جديدا يحمل وعودا جديدة بالتغيير، فيحظي بشعبية قصيرة المدى، ثم يختفى، بعد أن يكتشف الناخبون انه لم يأت بجديد فعليا. لقد أصيبت السياسة الحزبية عندنا بالجمود. وفي كثير من الأحيان بدت مغتربة وتعبة ومثيرة للسخرية وبالأساس تعاني من المحافظة المحبطة وغيا ب التجدد.

إذا كان هذا الوصف للأوضاع المعوجة صحيحا بشكل عام، فإنه صحيح أكثر بالنسبة لمعسكر اليسار في اسرائيل. فالأحزاب التي تمثله تدهورت في السنوات الأخيرة وأصبحت على هامش الساحة الجماهيرية. وفي الحالات القليلة التي أسمعت فيها صوتها، وبالذات في القضايا الجوهرية الحاسمة، يتضح ان أحزاب اليسار لا تمتلك ما يؤهلها لتقول شيئا مهما أو حيويا. ان التيار المركزي في اليسار الاسرائيلي كان شريكا في تآكل الانجازات الاشتراكية الديمقراطية وتفكيك دولة الرخاء، وهما عنصران تسببا في زيادة الفقر واتساع الهوة في الأحوال الاقتصادية. انه تيار، بلغ من القدم درجة تجعله عاجزا عن إعطاء جواب ذي أهمية على القضايا "الجلوبالية" (العولمة)، مثل البيئة والبنوية أو تقديم حلول للقضايا المرتبطة بتسويات داخل اسرائيل، مثل العلاقة بين الدين والدولة.

بالتعصب لقضايا الفرد، يواصل اليسار الاسرائيلي الاغتراب عن الكثيرين الذين يطالبون بتوازن صحيح بين الفرد وبين التزامه للمجتمع الذي يعيش فيه وللدولة وللدين. وكما في المجالات الأخرى، يتضح ان الطرق التي يقترحها اليسار الاسرائيلي لتأمين المساواة في الفرص لجميع المواطنين وتأمين حقوق الأقليات، مكررة وغير مجدية. وبشكل عام، لم يحسن اليسار تطوير مفاهيم جديدة تعطي الجواب في القضايا التي يتخبط فيها المجتمع الاسرائيلي. وفي بعض الأحيان، يبدو ان اليسار بالذات، المفترض انه ملتزم بالانفتاح والإصغاء، لم يحسن ملاءمة مفاهيمه للمجتمع الاسرائيلي وتعقيداته.

لهذه الأسباب مجتمعة، واجب الساعة هو الخروج برؤيا سياسية جديدة، تربط ما بين السياسة الحزبية والاقتصاد والثقافة والهوية وتكون ملائمة للمكان والزمان اللذين نعيش فيهما. رؤيا كهذه، يجب ان تعالج مجمل القضايا البنوية للمجتمع الاسرائيلي بكل مركباته: هل يمكن الاعتراف بالعلاقة المميزة ما بين الشعب اليهودي واسرائيل، وفي الوقت نفسه تكون الدولة وطنا لجميع مواطنيها؟ كيف تدار العلاقة ما بين الدين والدولة؟ كيف يمكن استخدام الفضاء الاجتماعي في اسرائيل؟ كيف يمكن تقديم المساعدة لكي تزدهر الثقافات والشرائح الاجتماعية المتباينة، معا وجنبا الى جنب؟ كيف تكون علاقة اسرائيل بالدول المجاورة لها؟

والى جانب هذه القضايا، تقف أمام اسرائيل تحديات معقدة تتعلق في القضايا الدولية التي نشأت مع حلول العولمة والأزمة البيئية والتوتر المتصاعد على مستوى الهوية الإثنية والدينية مقابل المناهج والمتطلبات العالمية. ان المحاولات الجارية في الأحزاب الاسرائيلية لمجابهة هذه التحديات والأجوبة التي تطرحها لمعالجتها ليست كافية.

وعليه، فإن "سحرية" تنشد صياغة رؤيا سياسية جديدة. نحن معنيون بحياة حزبية تكون فيها السياسة أداة بيد المجتمع لتأمين فرص متساوية للجميع، وفي الوقت نفسه ترفع من شأن القيم المجتمعية لكل فئة وتحقق التضامن الاجتماعي المحلي والقومي الإثني. نحن نطمح الى سياسة حزبية تلتزم بالدفاع الجاد عن خصوصيات كل واحد منا، الهوية الفردية لنا، وفي الوقت نفسه تدافع عن الممتلكات العامة المشتركة لجميعنا. وهذه القيم السياسية قد فقدت لدى اليمين واليسار على السواء. ان هذه السياسة الاجتماعية البيئية تقترح استخدام لغة، نستطيع بمساعدتها أن نفهم لماذا علينا ان ننظم حياتنا المشتركة على أساس التكافل والتضامن المتبادل والنزيه.

وإذا أردنا تبسيط هذه الرسالة نقول ان مصائرنا متداخلة ببعضها البعض. إن الخيرات التي تعتبر ملكا للجميع، مثل الماء والهواء والأرض، هي ملك لجميع الاسرائيليين. وكما بدأنا نستوعب بالتدريج، فإنها ملك لجميع الشعوب وللأجيال القادمة. مشتركة للجميع. ان التقوقع في مجال الفرد أو المجموعات الانفصالية، ليس مضمونا بقاؤه. لهذا، تقترح "سحرية" اعادة النظر من جديد، في نسيج العلاقات ما بين الفرد وبين فئات المجتمع وفي أبعاد هذه العلاقات على نهجنا السياسي والاجتماعي.

اننا نؤمن بأن اليسار في البلاد مُحق عندما يصر على ان لكل الاسرائيليين، يهودا وعربا، الحق في المساواة في الفرص وفي حقوق الانسان وكذلك في الحقوق الجماعية. وهو مُحق عندما يركز على الالتزام الأخلاقي في انهاء الاحتلال وفي تمكين الفلسطينيين أيضا من العيش بأمن واحترام.

واليمين بدوره، يؤدي دورا مهما في حماية التراث والتقاليد وفي البحث عن السبل لتعزيز الهوية الثقافية والدينية للاسرائيليين. برأينا، المجتمع الاسرائيلي طالب الأفراد والجماعات، ولفترات طويلة، بأن يديروا ظهورهم لتراثهم. والنتائج كانت محزنة. وقد كان ذلك مناحيم بيغن، الذي اعترف بمكانة التراث في حياة الفرد،في حين قلل اليسار من أهميته. ومع ذلك، فيجب التأكيد على ان تعزيز الهوية هو مبدأ يجب تطبيقه بمساواة على جميع شرائح المجتمع وليس جزءا دون الآخر. كما ان اليمين أدرك ان العلاقات بين اسرائيل وجيرانها العرب، لا تتوقف فقط على تصرفات اسرائيل وخياراتها. السلام لا يتعلق فقط بالحسم الاسرائيلي للأمور.

ولكن، بعيدا جدا عما يطرحه اليمين واليسار اليوم، نحن في سحرية ننشد اثارة الاهتمام من جديد بمجتمع يقبل الاختلافات في صفوف أبنائه. نحن معنيون ببلورة خطاب ديمقراطي حقيقي هدفه بناء مستقبل آمن يكون فيه مكان لنا أجمعين.

وماذا نفعل؟

لقد قامت "سحرية" لكي تعطي مضمونا صلبا لهذه الرؤيا. في المرحلة الأولى، أقمنا مجموعة من 25 شريكا اجتمعوا بشكل دوري خلال السنتين الماضيتين. لقد انحدر الشركاء من خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية مختلفة وانتماءاتهم السياسية متباينة: عربا ويهودا، نساء ورجالا، متدينين وعلمانيين، أشكنازيين وشرقيين، قادمين جدد وقدامى. كلنا شركاء في نقد الخطاب السياسي الاسرائيلي القائم والطموح ببلورة أجندة سياسية جديدة متقدمة. وفي السنتين الأخيرتين، انطلقنا في مسارات الى مختلف أنحاء البلاد والتقينا أناسا من مختلف الأماكن والمشارب، وذلك ببساطة ، بغية معرفة اسرائيل من وجهات نظر متعددة. في هذه المسارات والخطوات القادمة، تسعى "سحرية" لإشراك آلاف الاسرائيليين في نقاش وحوار لبناء الرؤيا والبرنامج المستقبلي المشترك.

قبل سنة ونصف السنة، وضعت "سحرية" لنفسها أهدافا، يمكن القول انها طموحة ومتواضعة في آن واحد. استهدفنا مد أواصر العلاقة ما بين أناس متعددي الاتجاهات من ذوي التأثير في مجتمعاتهم وممن يلتزمون بالقيام بدور طليعي في وضع أجندة جديدة. أجرينا بحثا من شأنه أن يساعد على صياغة هذه الأجندة الجديدة، ونحن نكتب ست وثائق تلخص مبادئها –كيف ستكون اسرائيل وفقا للرؤيا المتبلورة لدى "سحرية" في شتى المجالات. مجموعة الشركاء في "سحرية" التقت عشرات الأشخاص والتنظيمات المحلية والحركات ذات التأثير في اسرائيل- من يروحام ورحمة عبر أفرات وأم الفحم وبيت شيمش والناصرة وحتى طيرة الكرمل وتل أبيب. هذه اللقاءات ساهمت في إغناء الرؤيا وملاءمتها مع الواقع الحياتي في اسرائيل، وفي الوقت نفسه أتاحت لنا التداول في أفكارنا مع العديد من الشركاء المستقبليين، المكن اشراكهم معنا في المستقبل. وقد نشر زملاء البحث سلسلة مقالات في وسائل الاعلام المكتوبة والألكترونية، التي ربطوا فيها ما بين مبادئ الرؤيا المتنامية وبين الأحداث اليومية. وفي سبيل توسيع دائرة الشراكة، تنوي "سحرية" الوصول الى شخصيات ومجموعات أخرى في اسرائيل وكتابة وثائق سياسية وتجديد النقاش الجماهيري لتعميق وتوسيع هذا الحوار.

كل هذا، يأتي في سيبل تأسيس معهد تفكير وعمل، يعرض رؤيا جديدة لاسرائيل ويربط ما بين مختلف الأشخاص والاتجاهات في المجتمع الاسرائيلي، المشاركين في بناء معسكر للشراكة بيننا جميعا ولأجلنا جميعا.