على بساط البحث الجماهيري في اسرائيل، تطرح باستمرار قضايا التوتر بين المتدينين والعلمانيين، اليهود والعرب، دولة يهودية و/أو ديمقراطية، قضايا السلام والأمن، الاحتلال، الانزعاج المتصاعد من سياسة الخصخصة. تطرح للبحث في الشارع وفي البيوت، في التلفزيون وفي الانترنيت، في الجامعات وفي أورقة الكنيست. ولكن، وفي أوقات متقاربة، يبدو ان ما يقال في هذه النقاشات ينطوي على تكرار للأمور. وفي جميع الأحوال، لا يوجد مقنعون ولا مقتنعون. وقد يكون دقيقا أكثر القول: لا أحد يصغي بشكل حقيقي.
يوجد مخرج من هذا المأزق. لكي نبدأ في سد الشروخ، علينا ان نحدث تغييرا في تفكيرنا. أن نمعن النظر في القضايا المعروفة من زوايا مختلفة، وأن نفتش عما يربط بينها وبين قضايا أخرى لا محال لفصلها عنها ولكننا في العادة لا تطرح على بساط البحث الجماهيري.
على سبيل المثال، لا مجال لفضل قضية الديمقراطية الاسرائيلية عن قضية المساواة الاقتصادية، أو مكانة الدين في المجتمع في وقت تطرح فيه مسائل الهوية الانضباط. وليس صحيحا الحديث عن الرغبة في السلام من دون التطرق الى المخاوف والأخطار اللاحقة به. ولا يمكن تناول قضية أمنية من دون أن نتطرق الى الوحدة الاجتماعية.
ان التحدي الفكري المركزي الذى وضعته لنفسها "سحرية" هو ان نتعرف الى هذه التشابكات وأن نجري نقاشا مفتوحا ومتعدد الوجوه وذا مفاهيم مختلفة. فوضعية المجتمع الاسرائيلي تحتاج الى معالجة فورية. ولكن، وكما لاحظنا في العقود الأخيرة، فإنه بغياب بلورة أساسية وشاملة للقضايا البنيوية لحياتينا هنا، لا يمكن تحقيق تحسين جوهري. "سحرية" تتابع الحلبات الكثيرة التي تتبلور فيها حياتنا اليومية، وذلك من خلال شراكات واسعة تتسع دائرتها باستمرار مع عدة مجموعات ومواقع في المجتمع الاسرائيلي.
إن الربط ما بين التفكير والواقع، وما بين التقاليد والاستعداد للتجديد، والربط بين أناس من ذوي خلفيات متعددة، ايجاد هوية مشتركة بغض النظر عن الاختلافات الناجمة عن العادات والآراء المسبقة، والإيمان الحقيقي في رغبة كل انسان ان يعيش حياة جيدة تمكنه من الازدهار المتبادل وتضمن الرفاه للأجيال القادمة، هذه كلها مباديء تجعل الشركاء والشريكات في "سحرية" قادرين، وبطرق جديدة وحيوية، على مجابهة التحديات الخطيرة القائمة في المجتمع الاسرائيلي.
وفي الشهور القادمة، سوف نصدر مجموعة مقالات ووثائق سياسية تتعلق في المواضيع التالية:
مجتمع مزدهر
ما بين الفرد وحريته وبين الدولة ومسؤولياتها، هناك مجموعات سكانية. لهذه المجموعات وجوه عديدة: توجد مجموعات متبلورة من خلال الانتماء المشترك الى المكان مثل- الحي ، البلدة، المدينة أو الوطن، وتوجد مجموعات ما هو مشترك فيما بينها هو التراث المشترك أو الفكر المشترك ، هنالك مجموعات تتشكل من خلال التنظيم في المساجد أو الكنس أو الكنائس، أو من خلال الالتفاف حول فريق كرة قدم، أو حول فرقة موسيقية أو مصنع. والكثيرون يعتبرون الانتماء للمجموعة هو مصدر للهوية أو للأمان أو للشعور بالاكتفاء أو للإبداع أو السعادة.
هنالك حاجة لوضع سياسة اقتصادية بنيوية من أجل منع انهيار المجموعات المذكورة وتمكينها من تحقيق الازدهار: سياسة تضمن للمواطنين العيش الكريم، توفر للعمال عملا آمنا، تشجع المبادرة والابداع على المستوى المحلي، وتلتزم بتوفير بيئة صحية وآمنة. ولكن، لكي نضمن لهذه المجموعات أيضا أن تتطور، نحتاج الى سياسة اجتماعية بنيوية تكون قادرة على توفير البنية التحتية في مجال التعليم والثقافة بشكل يجعلها تتجاوب مع الاحتياجات الخاصة بكل مجموعة وفي الوقت نفسه تدفع الى الأمام بوحدة المواطنين كافة. أما لكي نمكن هذه المجموعات أن تزدهر، هنالك حاجة الى سياسة تطوير ثابتة تحافظ على النسيج الاجتماعي الحساس للحياة في الحارة، وفي الوقت ذاته تشجع عقد لقاءات عديدة ذات مضمون غني، ما بين المجموعات المتباينة في اطار الفضاء الجماهيري المفتوح المشترك.
في العقود الأخيرة، ارتأت الأحزاب الاسرائيلية ان تنشغل في القضايا التقليدية، وتنعزل عن واقع الحياة اليومي والحقيقي للمواطنين.
"سحرية" تؤمن بأن المهمة الحيوية لإعادة ترميم السياسة الحزبية الاسرائيلية وزيادة الثقة بها ، يجب أن تستند الى الوعي لأهمية المجموعات السكانية ولحساسيتها وكذلك الى الوعي بأن الازدهار والتطور للمجموعات السكانية ضروريان لبلورة التسويات السياسية الحزبية والاقتصادية والثقافية في اسرائيل.
الثقافة بوصفها كنزا
ينظر الى المجتمع الاسرائيلي على انه مليء بالاختلافات التي تهدد بتمزقه إربا إربا. ولكن، من الممكن – وهذا صحيح أكثر – أن نتعاطى مع هذه الاختلافات على انها كنز يجدر استخدامه رافعة بدلا من النظر اليه كمشكلة تحتاج الى علاج. تعدد الهويات والمواقف والتقاليد، يجب ألا يؤدي بالضرورة الى صراعات وقطع علاقات. بل بالعكس، فبالإمكان أن يخلق ميدانا جماهيريا ديناميا مبهجا، فيه يلتقي ذوو العوالم المختلفة والمفاهيم المتعددة، يثري بعضهم بعضا. ولهذا، نحتاج الى سياسة تشجع التعبير عن الثقافات المختلفة المكونة للمجتمع الاسرائيلي. وهذه هي فاتحة التلاقي الحر متعدد الألوان بين عالم وعالم وبين مختلف وجهات النظر، ومن هنا نخرج جميعا بشكل مغاير.
إن سحرية تتعاطى باحترام مع كل ثقافة، وتعيرها أهمية بالغة. باعتقادنا، الثقافة هي التعبير الأساس عن الحدس البديهي للانسان بوصفه مخلوقا اجتماعيا، يزوده بمعاني الحياة المشتركة مع الآخرين. الثروة الثقافية التي ينتجها المجتمع الاسرائيلي هي اليوم أيضا نتاج تربوي مكنوز هنا منذ القدم: مئات وألوف السنين من مخافة الله كما تتجلى في يوم الغفران وشهر رمضان، عبر موسيقى ترانيم أعياد الميلاد وأناشيد ليلة السبت، كلها تتشابك معا في أروع وأوسع ابداع للثقافات في اسرائيل قد تكوّن في السنوات الأخيرة وفي ألوان متعددة بشكل غير عادي وفي عادات وتقاليد وصلت الى هذا الوطن من مختلف حضارات العالم الرحب.
الهوية الاسرائيلية وفقا لـ "سحرية" ستعرف كيف توفر وتطور هذا الكنز. سحرية تنشد اتاحة الفرصة كاملة لكل ثقافة بالوجود الآمن والقدرة على التطور في فضائها الاجتماعي. ان ضمان الوجود الثقافي المستقل يعطي دفعة الى الأمام لمدى استعداد كل ثقافة من الثقافات المختلفة في مواجهة التحديات التي تضعها أمامنا قضية الشراكة الاسرائيلية.
ملك للجميع
عندما يجري الحديث في اسرائيل عن "الاقتصاد"، ننشغل بالأساس في قضايا يمكن تحديد اسعار لها – مثل ميزان البورصة أو مشروع ضخم لأحد المقاولين وغير ذلك. ولكن، من الناحية العملية، القسم الأكبر من مواردنا الحيوية هي أمور نستخدمها مجانا: اللغة، التقاليد العريقة الواردة في التوراة، الجمال النادر لوهدة (מכתש) رامون في النقب والبحر الميت، القصص الشعبية والأشعار التي تربينا عليها منذ الصغر، كنوز الثقافة الكلاسيكية من شكسبير وحتى الموناليزا ومن أم كلثوم وحتى فرقة "البيتلز"، الحشرات التي تغطي أشجار الفاكهة، الكركز الذي يبشر بقدوم الخريف. هكذا أيضا، امكانية الاعتماد على المجموعة: من تجند الأصدقاء في وقت الشدة، عبر التبرع بأعضاء الجسم، ووصولا الى ما نسميه "اقتصاد الحب" – اهتمام الأهل بأولادهم الصغار واهتمام الأولاد بأهلهم الطاعنين في السن. بعض هذه الأمور شبه طبيعية، وبعضها من ظل التاريخ، بعضها جديدة، مثل الانترنيت وأخرى عتيقة مثل الفولكلور. وهي عموما تعتبر أساسية لحياتنا أكثر من السوق ومن الدولة. انها ملك لنا جميعا، وفي الوقت نفسه ليست لأحد منا. انها ملك للجميع.
نحن في سحرية نؤمن بأن سياسة العدالة الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تأخذ بالاعتبار هذه الأمور وتعترف بقيمتها ودورها المركزي. يجب أن نضمن أن يتمتع بها جميع السكان، بلا تمييز بين القطاعات ومن دون علاقة بمدى القرب من مركز القرار. في هذا الواقع، كل شيء يُرَى بشكل مختلف. التناقضات الظاهرة بين دولة الرفاه وبين اقتصاد السوق الملتهب، بين القطاع العام والقطاع الخاص، ستبدو وهمية. فعلى سبيل المثال، عندما نستخدم سياسة السوق بشكل صحيح يمكن ان يتحول الى ينبوع للتجديدات والطاقات، يسهم في تأمين الرخاء العام وليس فقط لقلة من الأغنياء. علينا أن نعترف بالقيمة العظمى للأشياء التي ليس لها ثمن، مثل الهواء النقي والحارات الخالية من العنف والجريمة، والمساواة الحقيقية في الفرص. على مثل هذا الأساس يمكن بناء اقتصاد وثقافة ومجتمع تستطيع بناء وإثراء الملك الجماعي – لما فيه تحقيق الرخاء لنا وللأجيال القادمة.
اسرائيل بين الشعوب
في أوقات متقاربة جدا، تدار دولة اسرائيل كقلعة معزولة. أسباب ذلك واضحة – تهديدات وجودية، حروب تصل الى الجبهة الداخلية، وتاريخ حافل من الحالات التي تدير شعوب العالم لنا ظهرها. ولكن في ظل العولمة، عندما أصبحت تزداد قوة العلاقات بين الأماكن البعيدة، لم يعد بالإمكان أن يدار مكان بشكل منفرد ومن أجل ذاته. حتى القضايا الداخلية لم يعد بالإمكان تسويتها من دون علاقة مع الأكثر شمولية – مع المحيط الإقليمي والاجتماعي والاقتصادي والأمني والسياسي.
لنأخذ مثلا على ذلك : في المدى البعيد، لا يمكن تسوية قضايا مجموعات اللاجئين في البلاد المتزايدة أعدادها، من دون معالجة قضايا الفقر وانعدام الاستقرار في أفريقا. لا يمكن التخفيف من الخوف من الارهاب في أوروبا، من من دون معالجة الظروف التي نبتت فيها الحركات الأصولية الاسلامية في جنوبي آسيا والشرق الأوسط. ولا يمكن منع استغلال العمال الآسيويين من دون إدارة سياسة اقتصادية اجتماعية تتلاءم والمنطق في أوروبا والولايات المتحدة. ولا يمكن حل مشكلة سخونة الكون من دون أن نأخذ بالاعتبار رغبة الدول النامية في العالم من أجل الوصول الى مستوى معيشة شبيه بمستوى دول الغرب. و"الشعار القائل ان اسرائيل متعاضدة فيما بينها"، لم يعد كافيا. والبديل هو "العالمين كلها متعاضدون"، اليوم أكثر من أي وقت.
فاسرائيل هي جزء من الشرق الأوسط. وهذه ليست حقيقة جغرافية وحسب، بل انها حقيقة اجتماعية وثقافية أيضا. مستقبل اسرائيل مربوط بشكل وثيق مع الازدهار في المنطقة كلها. الفقر في غزة يشجع على التطرف الخطير. النقص في المياه يمس بكل دول المنطقة. أيضا انفلونزا الطيور لم تتوقف عند الحدود. اليهود والعرب يتشاطرون تاريخا مشتركا ما يزيد عن ألف وثلاثمئة سنة في الشرق الأوسط ولا يمكن محو هذا التاريخ بواسطة حدود سياسية عمرها ستون عاما. وكما هو حال تاريخنا، فإن مستقبلنا مشترك. والصراعات القائمة في الشرق الأوسط لا يمكن حلها إلا معا، يدا بيد.
وللعرب الذين يعيشون في اسرائيل، وهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وفي الوقت نفسه هم مواطنو الدولة، يوجد دور تاريخي في تأسيس علاقات الجيرة الحسنة والتعاون بين شعوب المنطقة. العلاقات بين المواطنين اليهود والعرب يجب أن تقوم على أساس من الشراكة والمساواة. هذا الجرح المفتوح ينبغي ان يشفى.
نحن في "سحرية" نعتقد ان اسرائيل قادرة على المساهمة في بناء عالم أفضل. القدرات العلمية والتكنولوجية، ثقافة المبادرات ورغبة الكثير من الاسرائيليين في العمل من أجل رفاه الجميع – كلها كنوز لنا. ولكن مع السلام الحتمي مع جيراننا، تستطيع أن تأخذ أبعادا شمولية أكثر، لما فيه تحسين للوضع في اسرائيل وفي الشرق الأوسط عموما. وبدلا من أن ترى اسرائيل نفسها "فيللا في الغابة"، ستصبح اسرائيل شريكا مرغوبا في الحارة.
السياسة البنيوية
السياسة موجودة في كل جانب من حياتنا. "السياسة" هي الطريق الذي نتحمل فيه المسؤولية عن حياتنا المشتركة ونسعى لبلورتها. وكونها كذلك، هي لا تدور فقط في أروقة الكنيست ومباني المجالس البلدية. فعندما تقوم أم لثلاثة أولاد ، مطلقة ، بقيادة مئات النساء في نضال من أكل مساعدة العائلات المحتاجة، انما تدير ورفيقاتها سياسة. وعندما تنتظم مجموعة من الأهالي بغية تحسين أوضاع المدرسة التي يتعلم فيها أولادهم، هم أيضا يقومون بعمل سياسي. وسكان الحي الذين ينتظمون وراء مطلب اقامة مركز جماهيري في حيهم، هم أيضا يعملون في السياسة.
ففي هذا الاختبار الواسع للكلمة، "السياسة" تعتبر القلب النابض للديمقراطية، وليس ذلك العمل الوسخ والمستنكر. ان السياسة هي السبيل لتنظيم الحياة المشتركة وتسوية الصراعات والخلافات وتحقيق التعاون. والسياسة الصحيحة هي الشرط لبناء مجتمع مزدهر. أما إذا أخضعنا التعاون الاجتماعي المشترك الى نظام السوق الحر وحده، فإن القرارات الأكثر أهمية تخرج من أيدينا، القرارات المتعلقة بالقيم والأهداف المنشودة للمجتمع. ولهذا، فإن الديمقراطية السليمة يجب أن تشجع العمل السياسي على مختلف المستويات- على مستوى الحي والمدرسة والمراكز الجماهيرية والسلطات المحلية وكذلك على المستوى القطري. وينبغي على السياسة الديمقراطية ان تمكن وتشجع التعاون الجماهيري الحقيقي والعميق.
هذه هي السياسة البنيوية التي تصر على توزيع الطاقات لجميع المواطنين وترمي الى ايجاد حلول ممكنة لحياتنا المشتركة بالشكل المناسب. كلما عملنا وفقا للمباديء الأساسية في السياسة، نستطيع الخروج من حالة الاحباط والسخرية وفقدان الثقة بالسياسة الاسرائيلية السائدة.
يوجد مخرج من هذا المأزق. لكي نبدأ في سد الشروخ، علينا ان نحدث تغييرا في تفكيرنا. أن نمعن النظر في القضايا المعروفة من زوايا مختلفة، وأن نفتش عما يربط بينها وبين قضايا أخرى لا محال لفصلها عنها ولكننا في العادة لا تطرح على بساط البحث الجماهيري.
على سبيل المثال، لا مجال لفضل قضية الديمقراطية الاسرائيلية عن قضية المساواة الاقتصادية، أو مكانة الدين في المجتمع في وقت تطرح فيه مسائل الهوية الانضباط. وليس صحيحا الحديث عن الرغبة في السلام من دون التطرق الى المخاوف والأخطار اللاحقة به. ولا يمكن تناول قضية أمنية من دون أن نتطرق الى الوحدة الاجتماعية.
ان التحدي الفكري المركزي الذى وضعته لنفسها "سحرية" هو ان نتعرف الى هذه التشابكات وأن نجري نقاشا مفتوحا ومتعدد الوجوه وذا مفاهيم مختلفة. فوضعية المجتمع الاسرائيلي تحتاج الى معالجة فورية. ولكن، وكما لاحظنا في العقود الأخيرة، فإنه بغياب بلورة أساسية وشاملة للقضايا البنيوية لحياتينا هنا، لا يمكن تحقيق تحسين جوهري. "سحرية" تتابع الحلبات الكثيرة التي تتبلور فيها حياتنا اليومية، وذلك من خلال شراكات واسعة تتسع دائرتها باستمرار مع عدة مجموعات ومواقع في المجتمع الاسرائيلي.
إن الربط ما بين التفكير والواقع، وما بين التقاليد والاستعداد للتجديد، والربط بين أناس من ذوي خلفيات متعددة، ايجاد هوية مشتركة بغض النظر عن الاختلافات الناجمة عن العادات والآراء المسبقة، والإيمان الحقيقي في رغبة كل انسان ان يعيش حياة جيدة تمكنه من الازدهار المتبادل وتضمن الرفاه للأجيال القادمة، هذه كلها مباديء تجعل الشركاء والشريكات في "سحرية" قادرين، وبطرق جديدة وحيوية، على مجابهة التحديات الخطيرة القائمة في المجتمع الاسرائيلي.
وفي الشهور القادمة، سوف نصدر مجموعة مقالات ووثائق سياسية تتعلق في المواضيع التالية:
مجتمع مزدهر
ما بين الفرد وحريته وبين الدولة ومسؤولياتها، هناك مجموعات سكانية. لهذه المجموعات وجوه عديدة: توجد مجموعات متبلورة من خلال الانتماء المشترك الى المكان مثل- الحي ، البلدة، المدينة أو الوطن، وتوجد مجموعات ما هو مشترك فيما بينها هو التراث المشترك أو الفكر المشترك ، هنالك مجموعات تتشكل من خلال التنظيم في المساجد أو الكنس أو الكنائس، أو من خلال الالتفاف حول فريق كرة قدم، أو حول فرقة موسيقية أو مصنع. والكثيرون يعتبرون الانتماء للمجموعة هو مصدر للهوية أو للأمان أو للشعور بالاكتفاء أو للإبداع أو السعادة.
هنالك حاجة لوضع سياسة اقتصادية بنيوية من أجل منع انهيار المجموعات المذكورة وتمكينها من تحقيق الازدهار: سياسة تضمن للمواطنين العيش الكريم، توفر للعمال عملا آمنا، تشجع المبادرة والابداع على المستوى المحلي، وتلتزم بتوفير بيئة صحية وآمنة. ولكن، لكي نضمن لهذه المجموعات أيضا أن تتطور، نحتاج الى سياسة اجتماعية بنيوية تكون قادرة على توفير البنية التحتية في مجال التعليم والثقافة بشكل يجعلها تتجاوب مع الاحتياجات الخاصة بكل مجموعة وفي الوقت نفسه تدفع الى الأمام بوحدة المواطنين كافة. أما لكي نمكن هذه المجموعات أن تزدهر، هنالك حاجة الى سياسة تطوير ثابتة تحافظ على النسيج الاجتماعي الحساس للحياة في الحارة، وفي الوقت ذاته تشجع عقد لقاءات عديدة ذات مضمون غني، ما بين المجموعات المتباينة في اطار الفضاء الجماهيري المفتوح المشترك.
في العقود الأخيرة، ارتأت الأحزاب الاسرائيلية ان تنشغل في القضايا التقليدية، وتنعزل عن واقع الحياة اليومي والحقيقي للمواطنين.
"سحرية" تؤمن بأن المهمة الحيوية لإعادة ترميم السياسة الحزبية الاسرائيلية وزيادة الثقة بها ، يجب أن تستند الى الوعي لأهمية المجموعات السكانية ولحساسيتها وكذلك الى الوعي بأن الازدهار والتطور للمجموعات السكانية ضروريان لبلورة التسويات السياسية الحزبية والاقتصادية والثقافية في اسرائيل.
الثقافة بوصفها كنزا
ينظر الى المجتمع الاسرائيلي على انه مليء بالاختلافات التي تهدد بتمزقه إربا إربا. ولكن، من الممكن – وهذا صحيح أكثر – أن نتعاطى مع هذه الاختلافات على انها كنز يجدر استخدامه رافعة بدلا من النظر اليه كمشكلة تحتاج الى علاج. تعدد الهويات والمواقف والتقاليد، يجب ألا يؤدي بالضرورة الى صراعات وقطع علاقات. بل بالعكس، فبالإمكان أن يخلق ميدانا جماهيريا ديناميا مبهجا، فيه يلتقي ذوو العوالم المختلفة والمفاهيم المتعددة، يثري بعضهم بعضا. ولهذا، نحتاج الى سياسة تشجع التعبير عن الثقافات المختلفة المكونة للمجتمع الاسرائيلي. وهذه هي فاتحة التلاقي الحر متعدد الألوان بين عالم وعالم وبين مختلف وجهات النظر، ومن هنا نخرج جميعا بشكل مغاير.
إن سحرية تتعاطى باحترام مع كل ثقافة، وتعيرها أهمية بالغة. باعتقادنا، الثقافة هي التعبير الأساس عن الحدس البديهي للانسان بوصفه مخلوقا اجتماعيا، يزوده بمعاني الحياة المشتركة مع الآخرين. الثروة الثقافية التي ينتجها المجتمع الاسرائيلي هي اليوم أيضا نتاج تربوي مكنوز هنا منذ القدم: مئات وألوف السنين من مخافة الله كما تتجلى في يوم الغفران وشهر رمضان، عبر موسيقى ترانيم أعياد الميلاد وأناشيد ليلة السبت، كلها تتشابك معا في أروع وأوسع ابداع للثقافات في اسرائيل قد تكوّن في السنوات الأخيرة وفي ألوان متعددة بشكل غير عادي وفي عادات وتقاليد وصلت الى هذا الوطن من مختلف حضارات العالم الرحب.
الهوية الاسرائيلية وفقا لـ "سحرية" ستعرف كيف توفر وتطور هذا الكنز. سحرية تنشد اتاحة الفرصة كاملة لكل ثقافة بالوجود الآمن والقدرة على التطور في فضائها الاجتماعي. ان ضمان الوجود الثقافي المستقل يعطي دفعة الى الأمام لمدى استعداد كل ثقافة من الثقافات المختلفة في مواجهة التحديات التي تضعها أمامنا قضية الشراكة الاسرائيلية.
ملك للجميع
عندما يجري الحديث في اسرائيل عن "الاقتصاد"، ننشغل بالأساس في قضايا يمكن تحديد اسعار لها – مثل ميزان البورصة أو مشروع ضخم لأحد المقاولين وغير ذلك. ولكن، من الناحية العملية، القسم الأكبر من مواردنا الحيوية هي أمور نستخدمها مجانا: اللغة، التقاليد العريقة الواردة في التوراة، الجمال النادر لوهدة (מכתש) رامون في النقب والبحر الميت، القصص الشعبية والأشعار التي تربينا عليها منذ الصغر، كنوز الثقافة الكلاسيكية من شكسبير وحتى الموناليزا ومن أم كلثوم وحتى فرقة "البيتلز"، الحشرات التي تغطي أشجار الفاكهة، الكركز الذي يبشر بقدوم الخريف. هكذا أيضا، امكانية الاعتماد على المجموعة: من تجند الأصدقاء في وقت الشدة، عبر التبرع بأعضاء الجسم، ووصولا الى ما نسميه "اقتصاد الحب" – اهتمام الأهل بأولادهم الصغار واهتمام الأولاد بأهلهم الطاعنين في السن. بعض هذه الأمور شبه طبيعية، وبعضها من ظل التاريخ، بعضها جديدة، مثل الانترنيت وأخرى عتيقة مثل الفولكلور. وهي عموما تعتبر أساسية لحياتنا أكثر من السوق ومن الدولة. انها ملك لنا جميعا، وفي الوقت نفسه ليست لأحد منا. انها ملك للجميع.
نحن في سحرية نؤمن بأن سياسة العدالة الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تأخذ بالاعتبار هذه الأمور وتعترف بقيمتها ودورها المركزي. يجب أن نضمن أن يتمتع بها جميع السكان، بلا تمييز بين القطاعات ومن دون علاقة بمدى القرب من مركز القرار. في هذا الواقع، كل شيء يُرَى بشكل مختلف. التناقضات الظاهرة بين دولة الرفاه وبين اقتصاد السوق الملتهب، بين القطاع العام والقطاع الخاص، ستبدو وهمية. فعلى سبيل المثال، عندما نستخدم سياسة السوق بشكل صحيح يمكن ان يتحول الى ينبوع للتجديدات والطاقات، يسهم في تأمين الرخاء العام وليس فقط لقلة من الأغنياء. علينا أن نعترف بالقيمة العظمى للأشياء التي ليس لها ثمن، مثل الهواء النقي والحارات الخالية من العنف والجريمة، والمساواة الحقيقية في الفرص. على مثل هذا الأساس يمكن بناء اقتصاد وثقافة ومجتمع تستطيع بناء وإثراء الملك الجماعي – لما فيه تحقيق الرخاء لنا وللأجيال القادمة.
اسرائيل بين الشعوب
في أوقات متقاربة جدا، تدار دولة اسرائيل كقلعة معزولة. أسباب ذلك واضحة – تهديدات وجودية، حروب تصل الى الجبهة الداخلية، وتاريخ حافل من الحالات التي تدير شعوب العالم لنا ظهرها. ولكن في ظل العولمة، عندما أصبحت تزداد قوة العلاقات بين الأماكن البعيدة، لم يعد بالإمكان أن يدار مكان بشكل منفرد ومن أجل ذاته. حتى القضايا الداخلية لم يعد بالإمكان تسويتها من دون علاقة مع الأكثر شمولية – مع المحيط الإقليمي والاجتماعي والاقتصادي والأمني والسياسي.
لنأخذ مثلا على ذلك : في المدى البعيد، لا يمكن تسوية قضايا مجموعات اللاجئين في البلاد المتزايدة أعدادها، من دون معالجة قضايا الفقر وانعدام الاستقرار في أفريقا. لا يمكن التخفيف من الخوف من الارهاب في أوروبا، من من دون معالجة الظروف التي نبتت فيها الحركات الأصولية الاسلامية في جنوبي آسيا والشرق الأوسط. ولا يمكن منع استغلال العمال الآسيويين من دون إدارة سياسة اقتصادية اجتماعية تتلاءم والمنطق في أوروبا والولايات المتحدة. ولا يمكن حل مشكلة سخونة الكون من دون أن نأخذ بالاعتبار رغبة الدول النامية في العالم من أجل الوصول الى مستوى معيشة شبيه بمستوى دول الغرب. و"الشعار القائل ان اسرائيل متعاضدة فيما بينها"، لم يعد كافيا. والبديل هو "العالمين كلها متعاضدون"، اليوم أكثر من أي وقت.
فاسرائيل هي جزء من الشرق الأوسط. وهذه ليست حقيقة جغرافية وحسب، بل انها حقيقة اجتماعية وثقافية أيضا. مستقبل اسرائيل مربوط بشكل وثيق مع الازدهار في المنطقة كلها. الفقر في غزة يشجع على التطرف الخطير. النقص في المياه يمس بكل دول المنطقة. أيضا انفلونزا الطيور لم تتوقف عند الحدود. اليهود والعرب يتشاطرون تاريخا مشتركا ما يزيد عن ألف وثلاثمئة سنة في الشرق الأوسط ولا يمكن محو هذا التاريخ بواسطة حدود سياسية عمرها ستون عاما. وكما هو حال تاريخنا، فإن مستقبلنا مشترك. والصراعات القائمة في الشرق الأوسط لا يمكن حلها إلا معا، يدا بيد.
وللعرب الذين يعيشون في اسرائيل، وهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وفي الوقت نفسه هم مواطنو الدولة، يوجد دور تاريخي في تأسيس علاقات الجيرة الحسنة والتعاون بين شعوب المنطقة. العلاقات بين المواطنين اليهود والعرب يجب أن تقوم على أساس من الشراكة والمساواة. هذا الجرح المفتوح ينبغي ان يشفى.
نحن في "سحرية" نعتقد ان اسرائيل قادرة على المساهمة في بناء عالم أفضل. القدرات العلمية والتكنولوجية، ثقافة المبادرات ورغبة الكثير من الاسرائيليين في العمل من أجل رفاه الجميع – كلها كنوز لنا. ولكن مع السلام الحتمي مع جيراننا، تستطيع أن تأخذ أبعادا شمولية أكثر، لما فيه تحسين للوضع في اسرائيل وفي الشرق الأوسط عموما. وبدلا من أن ترى اسرائيل نفسها "فيللا في الغابة"، ستصبح اسرائيل شريكا مرغوبا في الحارة.
السياسة البنيوية
السياسة موجودة في كل جانب من حياتنا. "السياسة" هي الطريق الذي نتحمل فيه المسؤولية عن حياتنا المشتركة ونسعى لبلورتها. وكونها كذلك، هي لا تدور فقط في أروقة الكنيست ومباني المجالس البلدية. فعندما تقوم أم لثلاثة أولاد ، مطلقة ، بقيادة مئات النساء في نضال من أكل مساعدة العائلات المحتاجة، انما تدير ورفيقاتها سياسة. وعندما تنتظم مجموعة من الأهالي بغية تحسين أوضاع المدرسة التي يتعلم فيها أولادهم، هم أيضا يقومون بعمل سياسي. وسكان الحي الذين ينتظمون وراء مطلب اقامة مركز جماهيري في حيهم، هم أيضا يعملون في السياسة.
ففي هذا الاختبار الواسع للكلمة، "السياسة" تعتبر القلب النابض للديمقراطية، وليس ذلك العمل الوسخ والمستنكر. ان السياسة هي السبيل لتنظيم الحياة المشتركة وتسوية الصراعات والخلافات وتحقيق التعاون. والسياسة الصحيحة هي الشرط لبناء مجتمع مزدهر. أما إذا أخضعنا التعاون الاجتماعي المشترك الى نظام السوق الحر وحده، فإن القرارات الأكثر أهمية تخرج من أيدينا، القرارات المتعلقة بالقيم والأهداف المنشودة للمجتمع. ولهذا، فإن الديمقراطية السليمة يجب أن تشجع العمل السياسي على مختلف المستويات- على مستوى الحي والمدرسة والمراكز الجماهيرية والسلطات المحلية وكذلك على المستوى القطري. وينبغي على السياسة الديمقراطية ان تمكن وتشجع التعاون الجماهيري الحقيقي والعميق.
هذه هي السياسة البنيوية التي تصر على توزيع الطاقات لجميع المواطنين وترمي الى ايجاد حلول ممكنة لحياتنا المشتركة بالشكل المناسب. كلما عملنا وفقا للمباديء الأساسية في السياسة، نستطيع الخروج من حالة الاحباط والسخرية وفقدان الثقة بالسياسة الاسرائيلية السائدة.










